السيد مصطفى الخميني
544
تفسير القرآن الكريم
الخطابة على التوجيهات المعللة بعلل سارية عامة ، إنسانية ارتكازية أخلاقية أو إدراكية عقلية فكرية . وأنت إذا تدبرت في أن يهود المدينة أنكروا بنحو الترديد المقارن للكفر ، ثم أتبعهم يهود بني قريظة ، ثم بنو نضير ، ثم خيبر ، ثم سائر اليهود ، وإذا تأملت في أن أحبارهم طرف الخطاب بدوا ، لأنهم يعرفون ويتمكنون من لبس الحق بالباطل وكتمانه ، وهم يعرفون أن التوراة في صفة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صرحت : بأن الله يقيم من اخوتهم نبيا يقيم الحق ، فقال الله تعالى : * ( لا تلبسوا الحق ) * وقال في التوراة : أحسنوا فيما تكلموا وأجعل كلامي في فمه ، فيكلمهم بكل ما أوحيه . . . وهكذا ، فقال الله تعالى خطابا إليهم : * ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ) * الذي فيه هذا الأمر الواضح . ولكن لمكان قوله تعالى : * ( وأنتم تعلمون ) * وقوله : * ( أفلا تعقلون ) * يتبين أن كل عاقل وعالم وظيفته ذلك ، فالأوامر الكثيرة في هذه الآيات والنواهي المتعاقبة أعم . ومن هنا تندفع مشكلة تتوجه على بلاغة الكتاب العزيز ، وهو أن في أثناء توجيه اليهود إلى الإسلام وإلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المصدق لما معهم ، لا يناسب قوله تعالى : * ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون . . . ) * إلى آخره مع سائر الآيات السابقة ، ولعل إعادة الخطاب بعد ذلك بقوله : * ( يا بني إسرائيل ) * تشهد على خروج الكلام . ولكن ليس الأمر إلا من جهة أن البيان أعم من اليهود وغيرهم ، فيرمز إلى الأعمية في الأثناء ، كما تبين الأعمية في الآخر ، فيعيد الخطاب